مباحثات التهدئة والمصالحة.. هل انتهت ورقة عباس؟

عباس7.jpg

الساعة الثامنة - ياسر أبو عويمر

عقد من الزمان مضى، لم تترك "إسرائيل" خلاله وسيلة من أجل القضاء على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وتركيع الشعب الفلسطيني فيه، فاستخدمت حصاراً برياً وبحرياً وجوياً خانقاً، وشنت ثلاث حروب ضروس، لكنها لم تفلح في ذلك، بل وزادت المقاومة تطوراً خلال تلك السنوات.

ومؤخراً استعان الاحتلال برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لممارسة مزيدٍ من الضغوط على القطاع المنهك بفعل الحصار والأزمات الناتجة عنه، فلعبت السلطة دوراً بارزاً في تشديد الخناق على غزة، فعمدت إلى فرض ضريبة باهظة على وقود محطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، وطلبت من الاحتلال تقليص إمدادات الكهرباء الواردة إلى غزة.

كذلك فرض عباس عقوبات تمثلت في خصومات لأكثر من 50% على رواتب موظفي السلطة، ومنع التحويلات الطبية لعلاج المرضى خارج القطاع، وفرض قيوداً مشددة على تحويل الأموال لبنوك القطاع.

تلك العقوبات دفعت الكثيرين للقول إن عباس يفعل ذلك لإثبات أنه الأقدر على تركيع غزة في محاولة منه لإطالة أمد صلاحياته لخدمة "إسرائيل".

مؤشرات تجاوز السلطة

لكن على ما يبدو أن محاولات الاحتلال ومعه الرئيس عباس، باءت بالفشل، سيما وأن مباحثات التوصل إلى تهدئة مشروطة برفع الحصار عن غزة، تجري على قدم وساق.

اللافت في الأمر أن مباحثات التهدئة تسير بمعزل عن المصالحة الفلسطينية المتعثرة، والتي كانت إحدى أبرز الشروط للتخفيف عن غزة وإنهاء أزماتها، خصوصاً وأنها جاءت بعد تهديد مصر ومبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف، للسلطة في حال لم تستجب للورقة المصرية وإنجاز المصالحة فإنه سيتم تجاوزها والعمل على إنهاء أزمات غزة بعيداً عنها، ما دفع مراقبون للتساؤل: ما الذي استجد، وهل بات أبو مازن خارج اللعبة؟.

وبحسب مراقبين فإن ثمة معطيات تشي بأن ورقة عباس قد انتهت، حيث أن تقدم أبو مازن في السن واشتداد مرضه بات يقلق "إسرائيل"، فالأخيرة معنية بشخصيات جديدة أصغر سناً بحيث تبني معها علاقات ذات منفعة شخصية، تمتد ربما لعشر سنوات.

وتسعى "إسرائيل" من خلال تلك الشخصية الجديدة لإضاعة فترة أخرى مهمة من عمر النضال الفلسطيني، وذلك تكراراً لما حدث مع أبو مازن تقريباً.

وتشير نشاطات الرئيس محمود عباس في الآونة الأخيرة إلى أنه فقد ثقله وأهميته، حيث اقتصرت نشاطاته منذ أكثر من شهر تقريباً على تقديم التهاني والتعازي واستقبال بعض الضيوف في مقر الرئاسة برام الله، ولم يجرِ الرئيس أي جولات خارجية أو اتصالات تخص الشأن الفلسطيني.

ولعل زيارة وفد حركة "حماس" بكامل أعضائه برئاسة صالح العاروري، إلى قطاع غزة، تشير إلى أن عملية تجاوز السلطة قد بدأت فعلياً.

وكانت مصادر خاصة أكدت لـ"الساعة الثامنة" بأن زيارة وفد حركة حماس لغزة هدفها الرئيسي هو البحث في مقترح التهدئة وليس التشاور بشأن المصالحة الفلسطينية، ما يعني أن مباحثات التهدئة تسير بمعزل عن السلطة.

"المصالحة ربحٌ سياسي"

ويرى الكاتب الفلسطيني حسن عصفور، أن إتمام المصالحة الفلسطينية هو ربح سياسي لحركة "فتح"، خصوصاً وأنها تمنحها دوراً قيادياً قد لا يستمر في حال تمسكت بعدم إتمام المصالحة.

وقال عصفور في مقال له عبر موقع "أمد"، إن عدم إتمام المصالحة يعتبر ربحاً سياسياً لحركة "حماس"، خصوصاً وأنها أبدت مرونة أعلى بكثير من حركة فتح في التعامل مع الموقف المصري، الأمر الذي سيعزز مستقبل حماس في الواقع القادم لقطاع غزة، وستلعب دوراً قيادياً في مرحلة ما بعد فشل المصالحة، مطالباً فتح بإعادة ترتيب أولوياتها بشكل جذري قبل فوات الأوان".

وأضاف عصفور في مقال آخر، أن "فتح تتفاوض على المصالحة ضمن شروط مرهقة لها سياسياً، في حين أن حركة حماس سلمت أمرها التصالحي، بعد أن وافقت بلا أي تحفظ على الورقة المصرية، من أجل التفرغ لمباحثات التهدئة ورفع الحصار وصفقة تبادل الأسرى، مع "إسرائيل" عبر مصر والأمم المتحدة.

وأشار عصفور إلى عدم وجود أي تأثير لفتح على الورقة المصرية الأخيرة، بل لم تعد تعلم حقيقة المسار التفاوضي الخاص بقطاع غزة والذي يبحث حلولاً سياسية وإنسانية كشف عنها ميلادينوف في ورقته.

وبحسب ما تم تسريبه من معلومات حول اتفاق التهدئة القادم، اعتبر عصفور أن "جوهر الاتفاق يتضمن قضايا تتعلق بشكل أساسي بعمل الحكومة ما يفرض عملياً أن تكون هي المشرفة على عملية بحث تلك القضايا، لكن ما يحدث خلافاً لذلك، ويتم تجاهل فتح رئيساً وحكومة"، على حد قوله.

وفي السياق أكدت مصادر فلسطينية قيادية لموقع "عربي21" أن لدى عباس ورئيس حكومة الوفاق رامي الحمد الله مخاوف كبيرة من أن يتم تجاوز السلطة واعتماد طرف ثالث دولي للتعامل مع غزة في مختلف القضايا التي تتعلق بها، مثل إعادة الإعمار ورواتب الموظفين.

وبشأن ما يجري الحديث عنه حول "اتفاق تهدئة طويل الأمد"، قالت المصادر القيادية: إن مصر ومعها ميلادينوف، أبلغا عباس بأنه "في حال لم تستجب لمتطلبات التهدئة، فسيتم تجاوز السلطة ودفع رواتب كامل الموظفين في غزة (التابعين لرام الله، والموظفين الذين عينتهم الحكومة بغزة) عبر أموال المقاصة (أموال الضرائب التي تجنيها إسرائيل لصالح السلطة عن البضائع القادمة لغزة) من خلال طرف ثالث".

وسبق ذلك زيارات مكوكية أجراها ميلادينوف بين غزة و"تل أبيب" ومصر، من أجل التوصل إلى اتفاق تهدئة طويل الأمد بين المقاومة في غزة والاحتلال.

ويرى مراقبون أن المتغيرات التي طرأت على الساحة الفلسطينية مؤخراً والمحاولات الحثيثة لإنهاء حصار غزة، تشير إلى أن "إسرائيل" بدأت تتعامل مع قطاع غزة بمعزل عن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، وباتت تعتمد على الوساطات الدولية أكثر؛ فهل انتهت ورقة عباس؟ الأيام القدامة كفيلة بإثبات ذلك أو نفيه.

مواضيع ذات صلة