الاستيطان بالضفة.. سرطان يقضم الأرض ويخفي معالمها

الاستيطان بالضفة.. سرطان يقضم الأرض ويخفي معالمها

الضفة المحتلة - الساعة الثامنة

رغم كل الحملات وعبارات الإدانة والاستنكار الواسعة التي تخرج من المجتمع الدولي بمؤسساته المختلفة، والتي تأتي دائماً بعد طرح "إسرائيل" لعطاءات استيطانية جديدة أو مصادرة أراضٍ فلسطينية، إلا أن حكومة الاحتلال التي يترأسها بنيامين نتنياهو، تواصل اتباع سياسية "صم الأذنين" والتجاهل، بل تزيد من ذلك بسكب الزيت على النار وإشعال الوضع في المنطقة بسياساتها العنصرية والاستيطانية التي شهدت تصاعداً.

العطاءات الاستيطانية الأخيرة، التي طُرحت ببناء مئات الوحدات على الأراضي الفلسطينية بالضفة، كانت بمثابة رسالة من قبل "إسرائيل" للمجتمع الدولي بأسره، بأن الاحتلال باقٍ، وبمثابة رفض وإفشال لأي جهود تبذل من أجل العودة المفاوضات وأن المرحلة المقبلة عنوانها العريض هو "التصعيد".

قراءة في الأرقام

وبتحليل الأرقام وخريطة المستوطنات القائمة يلاحظ بأن هنالك تركيزا واضحا لهذه المستوطنات في مناطق محددة، حيث إن 85% من المستوطنين يسكنون حول مدينة القدس وفي منطقة غرب رام الله وجنوب غرب نابلس، وذلك لأن معظم المستوطنين مرتبطون رغما عنهم بمراكز العمل والخدمات داخل "إسرائيل"، إذ يلاحظ أن 70% من المستوطنين يعملون داخل الخط الأخضر، و46% من مجموع العاملين في المستوطنات يعملون داخلها بالخدمات العامة، كما يعمل حوالي 34% من هؤلاء العاملين في أفرع إنتاجية (زراعية وصناعية).

ونلاحظ بأن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة ليس استيطاناً بالمعنى السكاني، وإنما هو استيطان قائم على أساس إحلالي، إذ أقامت "إسرائيل" مناطق صناعية وأعطتها امتيازات كبيرة، وتطورت بدرجة كبيرة جدا في السنوات الأخيرة. فحصلت هذه المستوطنات على امتيازات ذات أفضلية من الدرجة الأولى، من أجل أن تكون هدفا لعمل المستوطنين، فأقيمت كبرى المناطق الصناعية في وسط الضفة الغربية (بركان، وكرني شمرون) وفي منطقة القدس (مشور أدوميم) و(إيرز) في قطاع غزة. كما تم نقل كثير من المصانع من داخل "إسرائيل" إلى الضفة الغربية بسبب انخفاض تكاليف التشغيل ورخص الأيدي العاملة، مضافا إليها الامتيازات المقدمة من الحكومة كما أسلفنا.

وإذا نظرنا إلى الخريطة الاستيطانية وما وراءها نلاحظ من الجداول المرفقة بأن الازدياد السنوي في مستوطنات "الأمناه" رافعة راية الاستيطان الأيدولوجي لحركة "غوش أمونيم" متدنية وتصل إلى حوالي 50 نسمة سنويا في كل مستوطنة. ولا يغرنا هذا الرقم بضعف الإيمان بحلم أرض إسرائيل الكاملة في صفوف لمستوطنين. فحركة غوش أمونيم تفقد من قوتها النسبية لصالح مجموعات استيطانية

أخرى حيث تبين من خلال الاستطلاعات بأن الاستيطان الاقتصادي وراء 70% من الاستيطان. كذلك فإن حوالي 57% من المستوطنين يعيشون في مستوطنات مختلطة والزيادة السكانية فيها أعلى مقارنة بالمستوطنات الأخرى. وهكذا فإن الاستيطان في السنوات الأخيرة يغلب عليه أصحاب الياقات البيضاء الذين جاؤوا بسبب المساكن الأفضل، بعكس الحركات الاستيطانية أثناء الفترة الأولى والتي جاءت بروحية الأسطورة الطلائعية.

الصراع على الأرض

ما يحدث اليوم بالنسبة للأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس هو انعكاس لصراعات سياسية بين شعبين لهما تاريخ طويل من العداء المعلن، ويطمع كل منهما في السيطرة على المنطقة لجعلها أرضا خالصة له. ومعلوم أن أحد مجالات الصراع الأساسية هو الأرض باعتبارها مصدرا للعيش والحياة.

وتنتشر المستوطنات على رؤوس الجبال أو فوق الأحواض المائية، وقد استخدمت إسرائيل مجموعة من القوانين للاستيلاء على الأراضي أهمها:

قانون أملاك الغائبين

أي فلسطيني يملك الأرض ويعيش خارج الحدود يقوم القيم على أملاك العدو باستغلالها ووضع اليد عليها.

أملاك الدولة

وقد استخدمت "إسرائيل" مجموعة مختلفة من القوانين العثمانية والبريطانية والأردنية بالإضافة إلى الأوامر العسكرية، بحيث تم وضع اليد على ما يزيد عن 40% من مساحة الضفة الغربية كأملاك دولة.

المصادرات للمصلحة العامة

(محميات، شوارع، كسارات.. إلخ) للسيطرة على الأراضي.

المستوطنات في القانون الدولي

تعتبر إقامة المستوطنات في القانون الدولي بفروعه -بالإضافة إلى نقل سكان الدول المحتلة إلى الإقليم المحتل- مناقضة لكل المبادئ الدولية وميثاق الأمم المتحدة (ميثاق جنيف الرابع حول قوانين الحرب في عام 1949). ويفصل الميثاق سلسلة طويلة من المحظورات المفروضة على قوة الاحتلال. وجوهر الميثاق في هذه الحالة "يحظر على المحتل توطين سكانه في الأراضي المحتلة"، وهو ما أعادت التأكيد عليه العديد من قرارات الشرعية الدولية سواء في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي أو الجمعية

العمومية، وبالتالي فإن خلق الأمر الواقع بالقوة لا يمكن أن يكسب حقا. وقد صدرت مجموعة من القرارات الشرعية الدولية بتأكيد ذلك وإنكار أي صفة قانونية للاستيطان أو الضم، وتطالب بإلغائه وتفكيك المستوطنات بما في ذلك الاستيطان بالقدس. ومنذ عام 1967 وحتى اليوم صدرت قرارات بهذا الخصوص أهمها:

قرارات مجلس الأمن

- القرار رقم 446 لسنة 1979 الذي أكد أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية غير شرعي.

- القرار رقم 452 لسنة 1979 ويقضي بوقف الاستيطان حتى في القدس وبعدم الاعتراف بضمها.

- القرار رقم 465 لسنة 1980 الذي دعا إلى تفكيك المستوطنات.

- القرار رقم 478 لسنة 1980.

قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة

صدرت عن الأمم المتحدة قرارات كثيرة أدانت الاستيطان الإسرائيلي، ومن أهمها:

   - القرار رقم 2851 لسنة 1977

   - القرار رقم 42/160 لسنة 1987

   - القرار رقم 44/48 لسنة 1989

   - القرار رقم 45/74 لسنة 1990

   - القرار رقم 46/47 لسنة 1991

   - القرار رقم 46 لسنة 1991

سياسة الليكود

أما في مرحلة حكومة الليكود 1996/1998 فقد أوجز رئيس الحكومة آنذاك بنيامين نتنياهو سياسة الاستيطان بأنها "تستند إلى أفكار التسوية النهائية، وهي وسيلة هامة لتحديد حدود إسرائيل والحفاظ على الأمن"، وأضاف "كما نؤيد بناء المستوطنات على طول الشوارع الالتفافية، ويجب أن تتطور على جوانبها وليس على رؤوس الجبال. وبناء المستوطنات على طولها يمكنها من الوصل الجغرافي وتشكيل كتل استيطانية". وهكذا ما أن انتهت حكومة الليكود عام 1998 حتى تم استكمال بناء 5870 وحدة سكنية وارتفع عدد المستوطنين إلى 165 ألفا.

سياسة العمل

وجاءت حكومة العمل برئاسة إيهود باراك لتستمر في سياسة إقامة المستوطنات الجديدة وتوسيع القائم منها. فخلال عامي 1998 و1999 تم الانتهاء من بناء 5760 وحدة سكنية، كما طرأ ارتفاع حاد في بناء المستوطنات خلال الربع الأول من عام 2000 بنسبة 81% حسبما جاء في معطيات المكتب المركزي للإحصاء، ففي الشهور الثلاثة الأولى من عام 2000 كان هناك ألف بداية بناء، مقابل 550 بداية بناء في الربع الأخير من عام 1999. أما في البناء الخاص فكانت نسبة الارتفاع عالية جدا حيث وصلت إلى 141% أي 410 بدايات بناء مقابل 170. علما بأنه في نهاية ولاية حكومة الليكود طرأ انخفاض في عدد بدايات البناء في المستوطنات من 750 في الربع الأول عام 1999 إلى 490 في الربع الثاني من العام نفسه. وتتمتع المستوطنات بأفضلية قومية، وبامتيازات في البناء والإسكان.

وبعد أن تم نشر هذا التقرير صرحت مصادر في مجلس اليشع بأن المعطيات تدل على أن أساس البناء هو منطقة لواء القدس، أو في منطقة غربي السامرة المناطق التي ستبقيها إسرائيل بيدها حسب خطة باراك. وهذا ما أكده الوزير بن عامي بقوله "في التسوية الدائمة ستبقي إسرائيل في مناطقها ثلاث كتل استيطانية: غوش عتصيون وتكتل معاليه أدوميم وتكتل غرب السامرة، في حين ستكتفي في غور الأردن بترتيبات أمنية وتواجد عسكري".

وهكذا نلاحظ بأن الارتفاع في عدد المستوطنين أثناء العام 1999 قد ازداد بنسبة 12,5% وسجل أعلى الارتفاعات في المستوطنات المدنية العلمانية منها أو الأصولية. وحسب آخر الدراسات الاستيطانية الصادرة عن المجلس الإقليمي للاستيطان فإن ارتفاع عدد المستوطنين في منطقة القدس الكبرى التي ستبقى في داخل حدود إسرائيل في إطار التسوية الدائمة بلغ 67 ألف نسمة يشكلون حوالي 30% من مجموع السكان اليهود، وبلغ في منطقة غرب السامرة (نابلس) التي ستبقى مع إسرائيل 50 ألف نسمة يشكلون أكثر من ربع السكان اليهود. ويسكن في المناطق التي تعتبر "مناطق إجماع قومي" حوالي 250 ألف يهودي، في حين يسكن حوالي 45 ألف نسمة في المناطق أو قرب المناطق التي قد تنتقل إلى الفلسطينيين حسب خطة حكومة باراك.

وتحايلا على القانون الذي أصدره باراك في إخلاء البؤر الاستيطانية التي أقيمت بعد واي ريفر والبالغة 44 بؤرة استيطانية، فإنه رخص لإعادة إسكان هذه البؤر، مما يدل على أنه لا يوجد فرق بين الأحزاب السياسية في موضوع الاستيطان وإن اختلفت في الأسلوب.

التوزيع الجغرافي للمستوطنات

أقيمت المستوطنات بالقرب من المدن التاريخية التي يدعي اليهود أن لهم حقا تاريخيا فيها بهدف منع التواصل الفلسطيني داخل الضفة الغربية ومع الدول المحيطة تحقيقا لاستراتيجية التخطيط والإنجاز التي يمكن إيجازها باستراتيجية "الإحاطة ثم التغلغل" المستقاة من المفاهيم العسكرية والمترجمة للتخطيط المدني.

السيطرة على موارد الأرض والمياه، وتسعى الحكومة الإسرائيلية إلى توسيعها، وهذه الموارد هي هدف استراتيجي لـ"إسرائيل" تؤمنه من خلال وجود المستوطنات فيها.

الإعلان عن 16 كم‌2 كسارات في فترة رابين من أجل وضع اليد على المصدر الرئيسي للاقتصاد الفلسطيني وهو الحجارة.

توزيع المستوطنات الصغيرة في المناطق البعيدة، وتركيز الكبيرة منها حول المدن الكبرى (القدس وتل أبيب) لتشكيل حزام استيطاني حولها واعتبارها ظهيرا لها وحماية لهذه المدن.

مواضيع ذات صلة