الخلفيّات الدّينيّة والثّقافيّة للشّعوب الدّاعمة للقضيّة الفلسطينيّة

مظاهرات عالمية دعما لفلسطين.jpg

الساعة الثامنة - محمد أبو عويمر

دائمًا ما تتأثّر الشّعوب بخلفيّاتها الدّينيّة والثّقافيّة والتّاريخيّة وتبني على أساسها كثيرًا من مواقفها تُجاه مختلف القضايا حتى لو حاولت أن تُظهر غير ذلك، فالدّين مثلًا هو عبارة عن ناظم داخلي يحكم تصرّفات وتوجّهات ومواقف الأفراد، وبالتّالي الشّعوب، وكذا الثّقافة التي هي في أساسها متأثّرة بالدّين، ثمّ التّاريخ الذي عاشته الأجيال المتعاقبة للشّعب الواحد بما يحتويه من تجارب وظروف ومحطّات ترسم معالم كل مجتمع وتضع له محدّدات الاستمرار كشعب مستقل بهويّة مميّزة، له ميوله ورغباته ومواقفه التي تجعله ذو طابع مختلف عن غيره من الشّعوب والمجتمعات.

على صعيد القضيّة الفلسطينيّة، فإنّ العالم ينقسم حول هذه المعضلة الأبرز والمشكلة الأكبر انقسامًا واضحا ما بين مؤيّد للحقّ الفلسطيني في أرضه وبلاده، وله أسبابه في التّأييد، وما بين مُعارضٍ لهذا الحقّ الإنساني بالحرّية والعدالة والانعتاق من الاحتلال، وهذا المعترض له أسبابه أيضًا. ولكن إذا نظرنا في عموم المواقف العالمية تجاه قضيّة فلسطين، ووضعنا الاستثناءات جانبًا، وابتعدنا عن الحكومات المدفوعة سياسيّا واقتصاديّا لدعم نشأة "إسرائيل"، ثمّ نظرنا إلى المواقف الشّعبيّة لكل دولة أو مجموعة دول تتشابه في أصولها العرقيّة والدّينيّة والثّقافيّة والتّاريخيّة، لوجدنا مرتكزات تستند إليها هذه الجماعات وهذه الشّعوب في تحديد موقفها –بشكل عام- تجاه قضية فلسطين تحديدّا.

على سبيل المثال، هل تساءلنا يوما عن سر الدّعم الأيرلندي والأسكتلندي لفلسطين في ظل العداء أو على أقل تقدير الحياد من الشّعب الإنجليزي؟ أم إنّنا نظنّ أنّ للمظلوميّة الأيرلنديّة ومطالبها بالاستقلال عن المملكة المتّحدة دورًا في خلق ظرف نضالي مشابه يجذب التأييد من كلا الشّعبين لقضايا الآخر وكفى؟ ثمّ هل تساءلنا عن سر التّقارب الأوروبّي من القضايا الفلسطينيّة الإنسانيّة تحديدًا، وخاصة الدّول الشّرقية من أوروبّا، في ظل السقوط الأمريكي في وحل الغرام مع "إسرائيل"؟ أم إنّنا نعتقد أنّها حسابات المال والأعمال وحدها التي أبرزت هذه الصّورة؟

إنّ البحث والتّأمل والتّركيز في هذه الأمثلة وغيرها لشعوب تصطفّ صفّا واحدًا مع أو ضد فلسطين وقضيّتها، يُعطينا انطباعًا واضحًا على تأثّر هذه المواقف بمؤثّرات تُحرّكها خلفيّات هذه الشّعوب والجماعات أكثر من كونها مواقف تُتّخذ بناءً على الحشد الإعلامي مع أو ضد حقّ الفلسطينيّين في أرضهم وحرّيتهم وتقرير مصيرهم، هذه المؤثّرات تكون في أوج تأثيرها عندما تتعلّق بالدّين أو الطّائفة، وتزداد شيئًا فشيئًا كلّما ارتبطت بعوامل أخرى كالثّقافة والتّاريخ، ويزداد الأثر أكثر وأكثر عندما يرتبط دين وثقافة وتاريخ شعب ما باليهود بشكل أساسي أو بالمسلمين، أو بفلسطين كبقعة جغرافيّة مقدّسة عند عديد ديانات العالم.

من المهم جدّا كي نتمكن من الإجابة على التّساؤلات المطروحة أعلاه حول السّر وراء دعم شعوب معيّنة للنّضال الفلسطيني دونًا عن شعوب أخرى قد تكون جارة لها، أن نلقي نظرة على خلفيّاتها الدّينيّة وأن نتبحّر في فهم طبيعة الصّراع الطّائفي بين مذاهبها المسيحيّة المختلفة التي جعلت لكل مجتمع من هذه المجتمعات نظرة خاصّة تجاه العرب والمسلمين واليهود، وربّما يكون من الضّروري إلقاء نظرة على هذه الطّوائف وتاريخها وعلاقتها بالمسلمين واليهود، ومن خلال هذه الإضاءات قد تتّضح لنا أسباب الانجذاب الغربي تارةً نحو فلسطين ونصرة قضيّتها وتارةً نحو قيام دولة "إسرائيل" على الأرض المقدّسة.

باختصار ودون الخوض في دقيق التّفاصيل، يمكننا القول بأنّ الكنيسة قد انقسمت في القرن الحادي عشر فيما يعرف باسم "الانشقاق العظيم" إلى طائفتين أرثوذوكسيّة وكاثوليكيّة، اختلفتا في بعض المسائل التّشريعيّة وبعض القضايا والمفاهيم اللاهوتيّة، ولا نكاد نجد أثرًا سياسيًا واضحًا لهذا الانقسام كما هو الأثر في الانقسام البروتستانتي عن الكاثوليكيّة في أوائل القرن السّادس عشر بعد ظهور الحركة "الإصلاحيّة" كما أسماها مُحرّكها القسّ الألماني "مارتن لوثر".

تُعتبر الكنيسة الأرثوذكسيّة كنيسة شرقية ينتمي معظم أتباعها إلى دول المشرق الأوروبّي وشمال آسيا وعديد الدّول العربية، وهؤلاء على علاقة تاريخيّة وطنيّة قوميّة وطيدة بالعرب والمسلمين، فما يربطهم أكثر بكثير ممّا يفرّقهم بل حتّى إنّهم عاشوا لقرون تحت حكم الدّول الإسلاميّة المتعاقبة، ولم يُسجّل التّاريخ معهم سوى صدامات قليلة كان أهمّها قضيّة "الأرمن" مثلًا.

أمّا الكنيسة الكاثوليكيّة فهي الأكبر والأوسع انتشارا، حيث يتواجد أتباع هذه الكنيسة في أرجاء أوروبّا والأمريكيّتين وأفريقيا، باستثناء إنجلترا والولايات المتّحدة وبعض دول الشّمال الأوروبّي.

الكاثوليك وعلى الرّغم من صراعهم الطويل مع المسلمين خاصّة في فترة الفتوحات الإسلاميّة، إلّا أنّهم على عداء ديني وتاريخي أوسع مع اليهود، حيث –ومعهم الأرثوذكس- يُحمّلون اليهود دم المسيح الذي يعتقدون بصلبه، وقد ظلّوا على هذه الحالة من العداء مع اليهود حتّى العام 1986م حين برّأهم بابا الفاتيكان "يوحنّا بولس الثاني" من "دم المسيح" واتّخاذه لعدّة إجراءات لتوطيد العلاقة معهم أهمّها الاعتراف "بإسرائيل" وإنشاء علاقات رسميّة معها.

ورغم ذلك، ما زال كثير من كاثوليك العالم يعتبرون هذه التّبرئة مجرّد تبرئة سياسيّة لا تعدو كونها خطابات وخطوات وراءها عمل دؤوب من اللوبيّات الصهيونيّة في العالم، وينظرون إليها بالضّبط كما ينظر عديد المسلمين لمواقف الأزهر الإسلامي السّياسيّة، أو لمواقف الأذرع الدّينيّة للأنظمة العربيّة.

من جهتها فالكنيسة البروتستانتيّة التي ينتمي إليها الإنجليز والأمريكان، تُعدّ أقوى الكنائس علاقةً باليهود، وتعتبر أنّ اليهوديّة جزء أصيل من عقيدتهم، ويرون أنّ السّيد المسيح قد وُلد يهوديّا، وأنّ اليهود أبرياء من دمه، وقتلة المسيح –لاعتقادهم بمقتله- هم رجال السّلطة آنذاك الذين صلبوه بصفتهم حُكّام ظلمة لا بصفتهم يهود، وأولوا اهتمامًا بالعهد القديم مرجعًا لفهم وتفسير الكتاب المقدّس، واعتبروا اللغة العبريّة هي لغة الدّراسة الدّينية، والأهم من ذلك أنّهم يربطون ربطًا عقديّا بين قيام دولة لليهود على أرض فلسطين وعودة المسيح وخروجه بين اليهود ليعتنقوا جميعا الدّيانة المسيحيّة، ولتحقيق ذلك يجب أن تتحقّق ثلاثة نبوءات، قيام "إسرائيل" وسيطرة اليهود على القدس وإعادة بناء الهيكل، ومن هنا يأتي الحافز الدّيني للبروتستانت لدعم اليهود.

عند إسقاط السّرد السّابق على بعض الأمثلة لشعوب مختلفة في مواقفها تجاه فلسطين رغم تقاربها القومي والعرقي، مثل شعوب بريطانيا بمختلف مقاطعاتها الكبرى –إنجلترا وأيرلندا واسكتلندا بشكل أساسي-، فإنّنا نجد أنّ إنجلترا قد حسمت موقفها مبكّرًا في منتصف القرن السّادس عشر عند تحوّل الملك "هنري الثّامن" إلى البروتستانتيّة، إيرلندا انقسمت إلى قسم شمالي كاثوليكي رفض الانضمام إلى المملكة البريطانيّة وآثر الاستقلال، ودولة إيرلندا من الدّول التي لا تقف على الحياد عند الحديث عن قضيّة فلسطين، بل دائما ما تكون سبّاقة في دعم مظلوميّة الفلسطينيّين، ولعلّها سجّلت مؤخّرًا موقفًا نادرًا بعد تصويت برلمانها على منع استيراد بضائع المستوطنات ما يجعلها أول دولة غربيّة تتخذ هكذا موقف، إيرلندا الجنوبيّة البروتستانتيّة انضمّت للمملكة المتّحدة وتقف كما إنجلترا، حكوميّا صاحبة موقف داعم "لإسرائيل" وشعبيّا تقف على الحياد في أحسن أحوالها.

اسكتلندا ما تزال منقسمة حول هويتها الطّائفيّة منذ محاولة نشر البروتستانتيّة بالقوّة على يد ملكة إنجلترا "إليزابيث الأولى" خلال فترة إبعاد الملكة الأسكتلنديّة الكاثوليكيّة "ماري ستيوارت" إلى فرنسا مطلع القرن السّابع عشر، وقد استمرّ هذا الانقسام بحضوره المتّسم بالعداء بين أتباع الطّائفتين حتّى يومنا هذا، فالأقلّية الكاثوليكيّة هناك تنشط بشكل كبير جدّا في دعم قضيّة فلسطين شعبيّا وبرلمانيّا. كما يُذكر أنّ الانقسام الطّائفي قد طال قطاع الرّياضة في اسكتلندا، فنادي "سيلتك" صاحب الحادثة الشّهيرة برفع أعلام فلسطين خلال مباراته مع نادي "هبوعيل بئر السّبع عام 2016م، هو نادٍ تأسّس على يد قسّ كاثوليكي في نهاية القرن التّاسع عشر، وفي المقابل أسّس الجانب البروتستانتي من العاصمة "غلاسكو" نادي "رينجرز" الدّاعم للصهيونيّة جماهيريّا، والذي رفض تسجيل أي لاعب كاثوليكي في صفوفه إلّا بعد مرور مئة عام على تأسيسه وذلك في العام 1989م حين انضمّ اللاعب "مو جونستون" إلى النّادي وهو كاثوليكيّ الطّائفة.

إنّ هذه الأبعاد الدّينيّة والثّقافيّة للمجتمعات هي ما يرسم الخطوط العريضة لمواقفها تجاه قضيّة مهمّة مثل القضيّة الفلسطينيّة، خاصّة بوجود بُعدين مهمّين جدّا في جوهر الصّراع هما: قدسيّة الأرض، وعُمق ديانة الخصم الصّهيوني في عقائد الدّيانات والطّوائف الأخرى.

فهل يا تُرى ينتبه قادة العمل الوطني الفلسطيني لهذه الأبعاد في محاولاتهم لحشد التّأييد الدّولي لثورتنا ونضالنا؟ وهل يُركّز إعلامنا بثّه في الاتجاه الصّحيح لنيل أسهل وأسرع وأكفأ نوعيّة من الجمهور المستعد والقادر على دعم ونُصرة ومؤازرة شعبنا؟ أم إنّنا نعيش في حالة من الغوغائيّة والعشوائيّة التي تترك مجالا للصّهيونيّة الدّوليّة أن تؤثّر سلبًا على الموالين بالفطرة لفلسطين ونضالها، وتُحولّهم على أقل تقدير إلى محايدين إن لم تُجنّدهم في صفّها؟

مواضيع ذات صلة