هل الكنيسة اليونانية أمينة على الأرض الفلسطينية؟!

eglise_grece.jpg

في آخر تسريب للأرض الفلسطينية التي في حيازة الكنيسة اليونانية، تم الكشف عن بيع الكنيسة في عام 2016 خمسمائة دونم من أراضي الطالبية في القدس لشركة إسرائيلية تدعى " نيوت كومميوت هشكعوت " ب 38 مليون دولار أمريكي. وقد مهدت الكنيسة لذلك البيع بعقد إجارة طويل الأمد للكيرن كيمت " الصندوق القومي اليهودي " في عام 2011 لذات الأرض بقيمة 76 مليون دولار. وقد بررت الكنيسة اليونانية هذا البيع بإهمال الكيرن كاييمت موضوع تجديد عقد الإيجارمع الكنيسة وفق ما ذكرت مصادر صحفية. تخيلوا عذر أقبح من ذنب.

هكذا يستمر مسلسل بيع الأراضي الفلسطينية والتفريط فيها من قبل الكنيسة اليونانية على مر الزمان لجهات مشبوهة، ولا أحد يتخذ أي إجراء بحق من يدير هذه الكنيسة غير المؤتمنة على أملاك رعاياها. فهذا البيع ليس بالأول ولن يكون الأخير، ولن يحصر في مكان واحد، بل يشمل فلسطين كلها مدنا وقرى وسهولا وجبالا، وبؤبؤها ومهجتها القدس وأحياؤها. والغريب أن الكنيسة اليونانية تحتكر هذا العمل مع الكنيسة الأرمنية لوحدهما دون غيرها من الكنائس كالكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية.

ورغم حركات الإحتجاج العربية المسيحية على سيطرة الرهبنة اليونانية على مقدرات الطائفة الأرثوذكسية العربية المسيحية طيلة قرن من الزمان أو أكثر، ورغم صدور قانون رقم 27 لسنة 1958 الأردني كحل وسط بين الكنيسة اليونانية والمسيحيين العرب الأرثوذكس في النزاع المستحكم بينهما، ورغم قيام المجلس الكنسي المختلط قبل عام 1967 وقطعا انتقاله للرفيق الأعلى بعد هزيمة 67، يبقى بطاركة ومطارنة هذه الكنيسة اليونانيون يصولون ويجولون في المجتمع الفلسطيني ويباركون الزيجات ويحكمون بالطلاق ويقيمون الصلوات والقداديس من جهة، ومن جهة أخرى، يقوم هؤلاء بالتحكم في رقبة العقار الفلسطيني المسيحي من خلال القيام بعمليات البيع والتأجير والتصرف بالأرض والعقار الفلسطيني بدون حسيب أو رقيب أو مكاشفة أو شفافية، ما خلا تعليق أو مقال أو احتجاج أو وقفة سرعان ما يخبو أو يزول.

وبمكاشفة بسيطة مع إخواننا المسيحيين الفلسطينيين، هناك تناقض عميق بين المواقف الروحية والمدنية. إذ كيف يمكن لمطران أو بطريرك يبيع أرضا مسيحية لجهة مشبوهة، قبوله من قبل مسيحي فلسطيني عربي لعقد قران أو تعميد طفل أو إقامة قداس؟ وليت الأمر يتوقف عند القبول فقط بل يمتد للترحيب والتضييف، الا ترون في الأمر تناقضا ما بعده تناقض بل تناقضا مع واجباتكم الدينية ذاتها؟!

ولو تم قبول هذا الموقف المستهجن جدلا، لأجزنا أيا كانت صفته ودينه، لمن يبيع أرضا لجهة غير مشبوهة، أن يتزاور معنا، ويتزوج من بناتنا، ونشارك في مأتمه، ويرحب به في منازلنا، ويستضاف في منازلنا، أليس كذلك؟!

ولماذا يتم التصريح صباح مساء بملاحقة من يتوسط او يسمسر أو يبيع أرضه لجهة مشبوهة، ولا يطبق الأمر ذاته والقاعدة ذاتها، على البطريرك أو المطران أو الراهب، أو الكنيسة التي تقوم بأي فعل من هذه الأفعال المشينة؟!

بالأمس بيعت أرض مساحتها ألف دونم في قيسارية، واليوم أرض في الطالبية، وغدا في مار إلياس، وقبله في دير مار يوحنا في القدس لمن نسي، وفندق البتراء والإمبريال للتذكير، ومار سابا في بيت لحم وأرض الشماعة في الثوري، وجبل أبو غنيم، وأرض المصلبة في غربي القدس، وحديقة الجرس والطالبية والكنيست الإسرائيلي، والمتحف والقطار والخافي أعظم ويصعب السرد.

في خضم كل ذلك، تشنفت آذاننا بسماع اسطوانة الدولة الفلسطينية المشروخة، فإذا بقيت الأرض الفلسطينية محلا للتسريب والتفريط لجهات مشبوهة، فاين ستقام الدولة الفلسطينية العتيدة. أليس معلوما أن الإقليم الذي اساسه الأرض أي البعد البري هو ألأساس الأول الذي تقوم عليه أية دولة في هذا الكون، ام أننا سنقيم دولتنا المنتظرة خارج حدود هذا الكون وبمعايير خارجة عن المألوف؟!

غريب ومستهجن أمر هذه الوصاية اليونانية على العقار الفلسطيني، وكأن هذا العقار موجود في أثينا أو سالونيك أو إحدى الجزر اليونانية. هذه عقارات فلسطينية تبرع بها فلسطينيون مسيحيون عرب لخدمة مصالحهم الطائفية، وهذا حق مشروع وإن كان سببها التهرب من دفع الضرائب للدولة العثمانية. ولا يحق للكنيسة اليونانية أن تتصرف بهذه العقارات سواء أكانت أراض أو بيوتا أو حق منفعة عليها إلا لمصلحة الفلسطينيين المسيحيين العامة والذين هم في أمس الحاجة إليها.

جميع الصرخات والمطالبات الرسمية وغير الرسمية، ضاعت في وسط التصريحات والتهدئات والبالونات والتبريرات التي ما فتئت تطلقها الكنيسة اليونانية للتعمية وذر الرماد في العيون. وجميع اللجان الرسمية وغير الرسمية، المنقسمة على نفسها، والتي تعميها الذاتية، لم تستطع وقف الكنيسة اليونانية ورجالاتها، عن ممارسة هوايتها التفريطية بالأرض الفلسطينية بوسيلة أو بأخرى.

صحيح أن أس البلاء في هذا الموضوع يكمن في تعريب الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، وفتح مجالاتها للرهبنة العربية الممنوعة من التقدم لرتب عالية كالمطران والبطريرك نتيجة لقيود بالية وضعت خصيصا لبقاء هذه الرتب حكرا على اليونانيين بعد موت آخر بطريرك عربي مسيحي من قرون. فالنضال ضد نهج الكنيسة اليونانية هذا والقائمين عليها أمر غير موسمي ، فالأمر عاجل وحيوي ،ويجب ان لا يتم التهاون معه أو تأجيله او نسيانه ويجب معالجته ووقفه.

لذا يجب فورا تفعيل وظيفة وإعادة الصلاحيات للمجلس الكنسي المختلط الذي قرره القانون الأردني لعام 1958، بعد تشكيل هذا المجلس من رجال دين ومدنيين مسيحيين الذي أوقفته بل نعته ودفنته الكنيسة اليونانية منذ عام 1967.

ويفضل أن يتم التنسيق بين الحكومتين الأردنية والفلسطينية لتشكيل هذا المجلس، بعد ان يتبنيا سياسة إعادته للحياة وضخ الدماء في عروقه. وليس صحيحا أن الخطوة متأخرة، بل هي بديل لخطوات أخرى أكثر حدّة منها لأن الوطن في الميزان، وإن ضاعت أرض الوطن فطاحونة الله تطحن ولكن بثبات!!!

المصدر: صحيفة القدس

مواضيع ذات صلة