فواتير صفقة القرن

mohammed-bin-salman-al-saud.jpg

الفواتير السياسية والاستراتيجية أهم وأخطر من الفواتير الاقتصادية والتجارية.

بلغة الأرقام حصد الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى زيارته للسعودية عقودا ومشروعات تتجاوز ببعض التقديرات حاجز الـ(٣٨٠) مليار دولار على عشر سنوات.

هذه بذاتها تستحق أن توصف بـ«صفقة القرن».

بالنسبة لـ«ترامب» المأزوم بقسوة داخليا ويتهدده شبح العزل من منصبه على خلفية اتهامات خطيرة ينظرها الكونجرس عن طبيعة علاقاته مع روسيا أثناء الانتخابات الرئاسية فإن الصفقة، التى لم يحز مثلها رئيس أمريكى آخر، قد تساعد فى تثبيته على كرسيه فى البيت الأبيض.

هنا يتبدى اعتباران متعارضان كلاهما يحاول أن يطوق الآخر.

الأول: أن ضخ أموال هائلة فى شرايين الاقتصاد الأمريكى ــ تنشط قدرته التنافسية وتوفر مزيد من الوظائف ــ يخفف من الضغوط عليه.

والثانى: أن قوة المعارضة فى الميديا وداخل الحزب الديمقراطى والأوساط الحديثة فى المجتمع الأمريكى تطلب أن تمضى فى مساءلته لآخر الشوط حتى عزله أيا كانت صفقاته.

كان لافتا فى مساء إعلان صفقة الرياض أن محطة الـ«CNN» بثت فيلما قصيرا بعنوان «تاريخ ووترجيت» فى إشارة إلى أنه قد يلقى مصير الرئيس الأسبق «ريتشارد نيكسون»، الذى غادر منصبه على خلفية فضيحة التجسس على مقر الحزب الديمقراطى.

وبالنسبة للسعودية فإن الصفقة الهائلة أقرب إلى «الجزية السياسية» لتفادى الضغوط المحتملة عليها من رئيس أمريكى أعلن أثناء حملته الانتخابية أن من يريد الحماية عليه أن يدفع.

هكذا كان الدفع مقابل الحماية الأمنية.

بصياغة أخرى بدت العملية كلها كـ«سطو مسلح تحت تهديد الخوف» على الخزائن السعودية.

من دواعى الخوف المفرط الأجواء السلبية، التى تبدت فى الكونجرس عند إقرار قانون «جاستا» بما يشبه الإجماع.

بمقتضى ذلك القانون فإن الملاحقات القضائية قد تطول أعدادا كبيرة من السعوديين أمام المحاكم الأمريكية للحصول على تعويضات كبيرة لأهالى ضحايا حادث (١١) سبتمبر.

هكذا كان الدفع مقابل خفض الضغوط.

ثم لم يكن خافيا أن أحد دواعى الصفقة، التى تستنزف الاقتصاد السعودى وتنهكه، تمكين ولى ولى العهد «محمد بن سلمان» من خلافة والده مباشرة وإزاحة ولى العهد «محمد بن نايف»، الذى يحظى بثقة المؤسسات الأمريكية نظرا لدوره فى الصدام مع الجماعات المتطرفة.

هكذا كان الدفع مقابل خلافة الابن لأبيه.

يستطيع «دونالد ترامب» الآن أن يقول إن ما تعهد به أثناء حملته الانتخابية قد تحقق بأكثر من أى توقع وحساب وأن الأطراف التى هددها بادرت بالدفع قبل أى حركة ضغط فعلى.

وذلك لا يؤسس لأية قيادة سعودية فى الإقليم.

القيادة تعنى امتلاك القرار المستقل والقدرة على الحركة المستقلة وبناء تصورات لها صفة النفاذ العام.

تلك اعتبارات صورة تقوضت تماما فى قمم الرياض الأمريكية العربية الإسلامية.

كان مثيرا أن عددا كبيرا من الذين شاركوا فيها لم يطلعوا بصورة مسبقة على ما تضمنه بيان الرياض من التزامات، وأخطرها ما أطلق عليه «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى».

وزير الخارجية اللبنانى ــ كمثال ــ قال إنه فوجئ بما احتواه أثناء عودته بالطائرة إلى بلاده، كأن الانضمام لمثل هذه الأحلاف العسكرية يجرى بالإخطار.

اسم التحالف بذاته كاشف ودال على نوع الترتيبات التى يخطط لها فى الإقليم.

لم يوصف بـ«التحالف العربى» ــ كالذى أعلنته السعودية من طرف واحد للحرب فى اليمن، ولم ينضم إليه أى جيش عربى خارج منطقة الخليج.

ولم يوصف بـ«التحالف الإسلامى» ــ كالذى أعلنته تاليا من طرف واحد أيضا دون تشاور مع أى دولة إسلامية، ومات فى مهده.

ولم يوصف بـ«الناتو العربى» ــ وهو صلب المشروع حتى لا تلصق الهوية العربية به، فهذه خارج معادلات الشرق الأوسط الجديد، التى بشر بها الرئيس الإسرائيلى الراحل «شيمون بيريز» وتبنتها إدارات أمريكية متعاقبة.

من العنوان يقرأ الخطاب، كما يقول المصريون، وهو يشير مباشرة إلى إسرائيل والتطبيع العسكرى والاستخباراتى والاقتصادى معها دون أى انسحابات من الأراضى المحتلة منذ عام (١٩٦٧).

بالمعنى السياسى والاستراتيجى هنا صلب «صفقة القرن».

هذه الصفقة تعنى التطبيع المجانى مع إسرائيل والاقتتال المجانى مع إيران.

لا يمكن أن تعزى تصريحات «ترامب»، فى الرياض وتل أبيب، عن أولوية الخطر الإيرانى إلى أى ضغط سعودى.

العامل الإسرائيلى هو الأساس والقصة طويلة منذ صعود الثورة الإيرانية عام (١٩٧٩).

بنص اتفاق الرياض فإن «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى» يضم (٣٤) ألف جندى للمشاركة عند الحاجة فى أية عمليات عسكرية بالعراق وسوريا.

السؤال الأول الذى يطرح نفسه: لماذا العراق وسوريا بالذات واستبعاد أى مناطق أخرى للنزاعات الدموية فى الإقليم مثل ليبيا واليمن؟

يكاد أن يكون مستحيلا على مثل هذا التحالف التدخل العسكرى فى العراق، فالولايات المتحدة تشارك بصيغ عديدة فى العمليات الجارية فى الموصل ضد «داعش»، وإيران ــ العدو المعلن للتحالف المزمع ــ حاضرة فى المشهد ومؤثرة فيه.

حقائق المشهد العراقى لها الكلمة الأخيرة والمصالح تحكم فى النهاية واستبعاد ليبيا واليمن تعبير عن أولويات تتناقض فى الجوهر مع الأولويات المصرية والسعودية على التوالى.

كما أن استهداف سوريا بالتحالف العسكرى دونه تعقيدات كثيرة يصعب تجاوزها بأى حساب بالنظر إلى الحضور الروسى فى ميادين القتال، لكن الاحتمال يظل قائما وفواتيره مرعبة.

السؤال الثانى: ممن سوف تتكون القوة الضاربة فى هذا التحالف؟

بعض الإجابات الغربية المنشورة ترجح أنها سوف تكون من مصر والأردن.

هذه ليست مسألة يسيرة مصريا، فليست هناك مصلحة واحدة فى التورط فى مثل هذا الحلف، أو إرسال قوات للخارج للقتال بالنيابة عن آخرين.

كما أن الإرث الوطنى فى رفض الأحلاف العسكرية عائق لا يمكن تجاهل عواقب تخطيه.

كان لافتا فى كلمة الرئيس المصرى بقمة الرياض أنه لم يذكر إيران مرة واحدة على عكس الكلمات الأخرى التى تبارت فى إدانتها.

الموقف المتحفظ إشارة لها معناها وتستحق المضى للأمام لا التوقف فى منتصف الطريق، أو الارتداد إلى الخلف تحت وطأة الضغوط.

الإشارة نفسها تعنى نوعا من الممانعة فى الانجراف باحترابات مذهبية تتصادم مع تقاليد مصرية عتيدة على مدى العقود والقرون.

إذا رفضت مصر لن يكتب لتحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى أى وجود وستذروه رياح الخريف.

وإذا شاركت فإن أبواب الجحيم سوف تفتح على مصاريعها.

السؤال الثالث: لماذا أجلت الإجراءات التنفيذية لهذا التحالف إلى العام المقبل (٢٠١٨) ولم يشرع فيها فورا؟

أقرب الإجابات إلى المنطق أن حجم التعقيدات يرجح الفشل المبكر، وأن المؤسسات الأمريكية تحتاج وقتا إضافيا حتى تتدبر الحسابات قبل أى مجازفات تضرب مصالحها.

بشكل أو آخر تبدو الفكرة استجابة ما للمخاوف السعودية والتعجل الإسرائيلى فضلا عن أنها تتسق مع انحيازات «ترامب»، لكن الأمور ليست بالسهولة التى بدت عليها فى الرياض.

والسؤال الرابع: ما عواقب أى صدامات محتملة مع إيران وحزب الله وحركة حماس على الوضع العام فى الإقليم؟

إنه الانهيار الكامل الذى لن يفضى إلى أى مكسب لأى طرف باستثناء إسرائيل.

العواقب تسرع بسيناريوهات التقسيم على أساس مذهبى وعرقى ودخول الإقليم فى حروب مذهبية بلا نهاية.

مشرق عربى مفكك فى سوريا والعراق ومرتهن فى لبنان والأردن وتحت حد الخطر فى كل مكان آخر بما فى ذلك مصر والسعودية نفسها.

وتمكين إسرائيلى كامل من مقادير الإقليم بلا أى التزامات وفق المرجعيات الدولية.

‫فى تخطيط «ترامب» أن تجرى مفاوضات فلسطينية إسرائيلية تحت رعايته حول ملفات الوضع النهائى بصفقات منفصلة، لا صلة بين ملف وآخر.

‫هكذا تمضى «صفقة القرن» إلى مذبحة لأى حق فلسطينى، أو معنى فى العالم العربى.

وهذه هى الصفقة الكبرى فى نهاية اللعبة.

مواضيع ذات صلة