المناورة الأميركية الإسرائيلية: دلالات عسكرية ورسائل سياسية

العربي الجديد

على الرغم من أن مناورات "جونيبر كوبرا"، التي يشارك فيها الجيشان الأميركي والإسرائيلي، والتي بدأت في إسرائيل أمس الأحد، تجرى للمرة التاسعة، إلا إن طابعها وحجمها هذا العام يحمل دلالات كبيرة، إلى جانب أن مسوغات المشاركة الأميركية فيها تنطوي على رسائل سياسية واضحة.

 

فهذه المناورات، التي تستهدف اختبار فاعلية التعاون بين منظومات الدفاع الجوي لكل من جيش الاحتلال والجيش الأميركي في تأمين العمق الإسرائيلي وتقليص فرص تعرضه لأضرار كبيرة جراء إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ من أنواع مختلفة خلال الحروب المقبلة، هي الأكبر في حجمها منذ انطلقت "جونيبر كوبرا" في عام 2001. ويدلل حجم المناورة الكبير، ناهيك عن تضمنها تدريبات على اختبار فاعلية منظومات الدفاع الجوية في مناطق كثيرة وواسعة في جنوب ووسط وشمال إسرائيل، على حجم مخاوف تل أبيب من التبعات الخطيرة لاندلاع مواجهة مع "حزب الله" تنهال فيها على جبهتها الداخلية عشرات الآلاف من الصواريخ التي سيطلقها "حزب الله".

 

وتتميز هذه المناورة هذا العام عما سبقها بأنها تشمل نمطين من التدريبات على مواجهة الهجمات الصاروخية، أحدها يتمثل في اختبار مدى فاعلية منظومات الدفاع الجوي الأميركية "باتريوت" في التصدي بشكل فعلي  لهجمات صاروخية سبق أن تعرض لمثلها العمق الإسرائيلي، في حين أن النوع الثاني يتعلق بتدريبات تهدف إلى محاكاة هجمات صاروخية لم يسبق أن تعرض لها هذا العمق. وسيتدرب 2500 ضابط وجندي أميركي، ينتمي معظمهم إلى منظومات الدفاع الجوي في قيادة الجيش الأميركي في أوروبا، إلى جانب 2000 عنصر من أطقم الدفاعات الجوية الإسرائيلية، على محاولة تقليص مستوى المخاطر الناجمة عن سقوط الصواريخ على العمق الإسرائيلي.

 

وما يعزز من أهمية هذه المناورات، حقيقة أن القيادتين السياسية والعسكرية في تل أبيب تنطلقان من افتراض مفاده بأن إسرائيل خلال المواجهة المقبلة يمكن أن تتعرض لهجمات صاروخية انطلاقاً من سورية وغزة، وليس من لبنان فقط. ويأخذ الإسرائيليون على محمل الجد التصريحات التي صدرت عن أوساط في "حزب الله" وحركة "حماس"، والتي تتحدث عن اتصالات تجرى لتدشين غرف عمليات مشتركة، بحيث يتم تفعيل كل الجبهات في حال نشبت مواجهة على إحداها. وما يشي بحجم المأزق الإسرائيلي، وحالة انعدام اليقين في تل أبيب من إمكانية صد الهجمات الصاروخية الواسعة، حقيقة أنها تأتي في ظل تحذيرات يطلقها جنرالات وموظفون كبار في الصناعات الجوية من أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية غير جاهزة لمواجهة آلاف الصواريخ التي يمكن أن تسقط في يوم واحد، ولا سيما انطلاقاً من الجبهة الشمالية، والتي يمكن أن تصيب مرافق استراتيجية حساسة.

 

إلى جانب ذلك، فإن الإفصاح عن مسوغات المشاركة الأميركية في المناورات هذا العام يحمل رسالة سياسية واضحة، إذ إن الأميركيين لا يشاركون فقط من أجل إطلاع نظرائهم الإسرائيليين على الخبرات التي اكتسبوها، بل إنه حسب تعليمات إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فإن القوة الأميركية تشارك في هذه المناورات هذا العام بهدف الاستعداد للإسهام بشكل فاعل في الجهد الحربي من خلال التصدي للهجمات الصاروخية التي ستتعرض لها إسرائيل في المواجهة المقبلة. ونقل موقع مجلة "الدفاع الإسرائيلي"، الخميس الماضي، عن قائد منظومات الدفاع الجوية الإسرائيلية، الجنرال تسفيكا حيموفيتش، قوله إنه في حال تعرضت إسرائيل لهجوم فإن "القوات الأميركية ستنتشر في جميع أرجاء إسرائيل إلى جانب أطقم الدفاعات الجوية الإسرائيلية، بهدف تأمين إسرائيل من الصواريخ". واعتبر حيموفيتش أن إجراء المناورة يعكس طابع التعاون الاستراتيجي العميق بين الجيشين الإسرائيلي والأميركي.

 

وتمثل مبادرة الجانب الإسرائيلي تحديداً للإعلان عن أن الجيش الأميركي سيشارك بشكل فعلي في التصدي للهجمات الصاروخية التي ستتعرض لها إسرائيل انقلاباً على المنظور الأمني الإسرائيلي، الذي ينطلق من افتراض مفاده أن إسرائيل مطالبة بالدفاع عن نفسها بجهودها الذاتية فقط. ويتضح من تتبع بيانات سلاح الجو الإسرائيلي، ومن تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية المقتضبة للتدريبات، أن الرقابة العسكرية تفرض تعتيماً على المناطق والأماكن التي يتم فيها نصب بطاريات الدفاع الجوي أو بالقرب منها خلال المناورات، وذلك لعدم منح "العدو" معلومات حول طابع المناطق والأهداف التي تخشى تل أبيب أن تتم إصابتها خلال الهجمات الصاروخية. يذكر أن صحيفة "معاريف" نقلت أخيراً عن ثلاثة من كبار موظفي الصناعات العسكرية الإسرائيلية السابقين قولهم إن إسرائيل مطالبة بإخلاء نصف مليون مستوطن على الأقل من منطقة حيفا ومحيطها، خشية أن يتعرضوا لمخاطر كبيرة جراء سقوط صواريخ "حزب الله" على مجمعات الأمونيا ومحطات التكرير ومصانع البتروكيماويات في خليج حيفا

مواضيع ذات صلة