السر الحقيقي وراء عملية الجيش المصري في سيناء والدلتا‎

السيسي الذي طلب تفويضاً شعبياً في بثٍّ تلفزيونيٍّ مباشر منذ 4 سنوات، ثم هدَّد الأسبوع الماضي، علناً وعجزاً، بأنه قد يلجأ إلى طلب تفويض آخر من الشعب نفسه، السيسي الذي يطلب تفويضاً آخر لم يكن قط في حاجة إليه، ذلك الرجل لا يقوم بإعلان حرب على لسان شخص آخر ولو كان متحدثاً باسمه... في ضوء ما حدث الجمعة 9 فبراير/شباط 2018، أفهم خطابات الجيش ذلك اليوم على النحو التالي:

أولاً: أكتوبر/تشرين الأول 2017: نسيب السيسي (محمود حجازي)

إقالة الفريق محمود حجازي من منصبه برئاسة الأركان، بعد أيام قليلة من حادث الواحات الذي تسبب في قتل وإصابة 58 ضابط ومجند شرطة.

مع استدراكٍ وتوقُّفٍ، لأمور أكثر أهمية:

1. أن الإقالة "شكلية"

حيث انتقل نسيب السيسي، الفريق حجازي، لوظيفة استشاري للتخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات، بالقرب من السيسي نفسه، وأنه تم تكريم الرجل خلال احتفال علني في ديسمبر/كانون الأول 2017.

2. تغيير المجلس العسكري وتصفيته

منذ 3 يوليو/تموز 2013 والسيسي يطيح بقيادات المجلس العسكري السابق، وأعاد تشكيله من جديد. المجلس الذي لم يكن موجوداً أساساً وتم تشكيله بشكل استثنائي بعد 25 يناير/كانون الثاني 2011؛ إذ لم يكن هناك مجلس أصلاً بذلك الاسم قبل يناير/كانون الثاني. وبعد تولي السيسي الرئاسة، عمد إلى تصفيته، مستخدماً نسيبه حجازي في ذلك، على مرأى من وزير دفاعه صدقي صبحي، وربما بإقراره.

تمت تصفية المجلس العسكري وتعيين معظم أعضائه في وظائف استشارية أو فنية أو حكومية، أو كمساعدين لوزير الدفاع، بغير تأثير حقيقي في معادلة السلطة بالجيش؛ منهم: اللواء أحمد وصفي، واللواء أسامة عسكر، واللواء أسامة الجندي، واللواء صلاح البدري، تم إحلالهم واستبدالهم بآخرين، واختفى "المجلس العسكري" من المشهد تماماً.

3. الأمن الوطني، والعمليات الخاصة

ومع حادثة الواحات أيضاً، أقال السيسي بشكل مباشر: (اللواء محمود شعراوي رئيس جهاز الأمن الوطنى، واللواء هشام العراقي مدير أمن الجيزة، مدير إدارة الأمن الوطني بالجيزة، ومدير إدارة العمليات الخاصة بالأمن المركزي).

أي إن السيسي بذلك، أطاح بكل القيادات الأمنية تقريباً، بخلاف المخابرات العامة، التي سيلتفت إليها لاحقاً، وبخلاف وزير الدفاع صدقي صبحي المحصَّن بدستور لجنة الخمسين، الذي ضمن به السيسي لنفسه حصانةً دستوريةً انتقلت لخليفته صدقي صبحي من بعده.

ثانياً: نوفمبر/تشرين الثاني 2017: المهلة لوزير الدفاع

 

منذ 3 أشهر، في احتفال بالمولد النبوي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، قال السيسي: "أنتهز هذه الفرصة وأُلزم الفريق محمد فريد حجازي أمامكم وأمام الشعب المصري كله.. أنت مسؤول عن استعادة الأمن والاستقرار في سيناء خلال 3 شهور، أنت ووزارة الداخلية. خلال 3 أشهر، تستعيد مصر الاستقرار والأمن بسيناء، وتستخدم كل القوة الغاشمة.. كل القوة الغاشمة".

ربما الوضع فعلاً متأزِّم بسيناء، ولكن وقت أن ذكر السيسي ذلك، بحسب ما نشرته "نيويورك تايمز" 3 فبراير/شباط 2018، كان هناك أكثر من 100 عملية عسكرية إسرائيلية بسيناء، فلماذا يتم وضع مهلة زمنية لوزير الدفاع وحده ويتم تحميله مسؤولية الوضع بسيناء؟ بينما السيسي بنفسه يضعها على عاتق الكيان الصهيوني ويسمح لهم بالتجول وتنفيذ عمليات عسكرية في أرض مصر بينما يشاهد الجيش المصري الأمر كله؟!

لماذا سيصمت بعدها وزير الدفاع بضعة أشهر؟ وهل المدة فعلاً لتحميله إخفاقاً يسمح بإقالته هو الآخر بشكل علني؟ أم أن الوضع تحت سيطرة "إسرائيل" ولا يوجد تحدٍّ من أساسه لوزير الدفاع، بخلاف أنها مراوغة من السيسي، بحيث يتم إعلان أن صدقي صبحي المحصَّن دستورياً مجرد وزير دفاع "فاشل"؟ وربما يسمح ذلك بتعديل الدستور أيضاً ليشمل مدة رئاسة أطول؟!

ثالثاً: 18 يناير/كانون الثاني 2018 منذ بضعة أيام: المخابرات والصورة الكبرى

 

تعيين عباس كامل رئيساً للمخابرات العامة في 18 يناير/كانون الثاني 2018

لا يمكن عزل النزاع بمصر عن النزاع خارجها. هناك طريق الرئاسة الأميركية بالصدام المباشر، وهناك الطريق السياسي الذي يتبع التغيير كعملية تأخذ وقتها. وكما أن هناك نزاعاً ما بين رئاسة أميركا وبرلمانها ومخابراتها وأجهزتها في طريقة إدارة بلادنا، أيضاً لكل منهم فريقه بالداخل... البعض يسير على منهاج ترامب الصدامي المباشر، والبعض يسير على منهاج التغيير البطيء: قمع المعارضة كلها بالسجون، أو وجود معارضة شكلية تسمح بشكل من أشكال الاستقرار ولو الوهمي للناس.

لا أظنك تحتاج درساً في أيهما يمثل السيسي، وأيهما يمثل عنان مثلاً أو شفيق. وقطعاً هناك نزاع داخل الجيش. طرف يوافق على إعطاء فرصة لعمليات عسكرية من جيش إسرائيل داخل مصر ويفرِّط في الغاز والأرض والماء... بقيادة السيسي، وربما فريق آخر أو آخرون، كل منهم يحرّكهم ويدعمهم من يدعمهم.

في الصورة الكبرى هيكل السلطة والقوة في مصر والجيش يأكل بعضه بعضاً من الداخل، وكل فريق له من يدعمه إقليمياً ودولياً. والسيسي لم يتوقف يوماً عن إحكام سيطرته على كل ذراع، لا توافق رؤية فريقه.

رابعاً: 9 فبراير/شباط 2018: المواجهة الشاملة

 

مهلة الأشهر الثلاثة التي أُوكلت إلى محمد فريد حجازي قاربت على النفاد؛ بل وقتل المئات في عملية إرهابية بسيناء التي يملك محمد فريد حجازي "القوة الغاشمة" فيها، وفي الوقت نفسه مع نهاية المهلة يقوم الجيش، على لسان متحدث عسكري، وبناء على "توجيه" سابق من السيد الرئيس لوزير الدفاع، بالحديث عن مواجهة شاملة. "المواجهة الشاملة" على غرابتها، بحسب المتحدث العسكري نفسه، تشمل "تدريبات"، هكذا قال المتحدث العسكري. "تدريبات"! لا توجد تدريبات في مواجهة شاملة.. صح؟ وإذا كان التكليف في سيناء، فلماذا يمتد إلى الدلتا والصحراء الغربية وقوات بحرية هكذا بغرابة؟!

رئيس الجمهورية الذي يقود حرباً بالمعنى الحرفي للحرب، في حالة تأهب قصوى، وانتشار لقوات على الحدود، لا وجود له في أول أيام الحرب.

أظن من المنطقي، والبديهي جداً بعض الأسئلة المفتوحة:

 

ألا يمكن أن يكون كل ذلك هو معركة بين طرفين في الجيش نفسه؟

ألا يمكن أن يكون التفويض التالي الذي يطلبه السيسي هو تفويض لمجابهة قوى الشر داخل الجيش نفسه بفهم السيسي؟

ألا يجوز افتراض أن كل ما تم من بيانات يوم 9 فبراير/شباط 2018، قد تم بغير علم السيسي أصلاً، ولكن بموجب تكليف سابق منه لشخص وزير الدفاع، المحصن دستورياً وعسكرياً؟

ألا يجوز لنا افتراض أن ثمة انقلاباً على انقلاب على انقلاب يجري؟

في الصورة الكبرى، يبدو بديهياً تجاوُز التفاصيل كلها، ولكن يلزم تعليق النظر على فريقين أو أكثر، يحاول أحدهم الآن السيطرة على السلطة في مصر

 

مواضيع ذات صلة