مسيرة العودة الكبرى.. بين الأماني والآمال

مسيرة العودة.jpg

الساعة الثامنة - محمد أبو عويمر

لطالما عُلّمنا أن الطريق نحو القدس يمر من فوّهة البندقية، والبندقية فقط، وهو ما أدى إلى حالة من عدم الإيمان بجدوى مسيرة العودة الكبرى وأهميتها في طريق التحرير الطويل عند فئةٍ من النّاس، خاصة مع اقتناعهم بعدم جدوى الرسائل التي تُبثّ سلميّاً للعالم الغربي، واعتقادهم بعلوّ كعب اللوبي الصهيوني على الأحزاب والمنظمات والسياسيين الغربيين.

لا يمكن لنا أن نصِم أصحاب هذا الاعتقاد بالجهل أو الرجعيّة، ذلك أنّ الواقع السياسي السابق كان يؤكد كل هذه المعتقدات التي ذكرناها آنفا، لكننا نودّ أن نسلط الضوء على جوانب مهمة إما أننا كنا في غفلة عنها، أو أنها استجدت ضمن متغيرات العصر أو أنها جوانب وأبعاد جديدة لطريقة وشكل وأسلوب المقاومة التي ينتهجها شعبنا ضد الاحتلال.

لا بدّ في بادئ الأمر أن نعي أن النّضال الفلسطيني الذي يمر عبر فوهة البندقية، ليس عبارة عن رصاصة ملتهبة تمر في هذه الفوهة وكفى، بل إن هذه البندقية التي تمثل مقاومة الإنسان الفلسطيني تحتاج إلى مواطن حكيم يدافع عنها، ومقاوم رزين يوجهها في الوقت والمكان المناسبين، وإلى قوة اقتصادية تمول هذه الرصاصات، وأخيرا وليس آخرا إلى سند دولي وشعبي وشرعية واضحة ليمر الفلسطيني في دربه هذا نحو القدس بأسرع الطرق الممكنة وأقل العقبات المرتقبة.

كل ذلك يعني أن المقاومة السلمية لا تُعدّ بديلا عن المقاومة المسلحة ولا خطا متعارضا معها، بل على العكس تماما، فهي شكل من أشكال المقاومة المنظمة التي تسير جنبا إلى جنب بشكل متوازي مع المقاومة المسلحة المعتادة، هذه المقاومة بأشكالها المتعددة التي تأخذ طابعا فرديا أو جماعيا، موجَّها مباشرةً للاحتلال أو نحو التعبئة الداخلية، وبمختلف مسمياتها كالأناشيد والأغاني الوطنية وحفلات ومعارض التراث الشعبي وحملات التوعية بأصالة الماضي وعمق الجذور وتعليم الأبناء وتوجيههم وتحشيدهم نحو الصفّ المعادي للاحتلال وغرس قيم اللا تعايش السلمي مع المحتل وحملات المقاطعة السياسية والأكاديمية والاقتصادية للاحتلال، كلها مطلوبة باستمرار جنبا إلى جنب مع المقاومة المسلحة.

مسيرة العودة الكبرى هي واحدة من كبرى ملاحم المقاومة الشعبية أو السلمية عبر تاريخ المقاومة، وسيخلدها تاريخ الشعوب المناضلة والباحثة عن التحرر والانعتاق في صفحة من صفحات الالتفاف الشعبي العارم والعام نحو فكرة المطالبة بالحرية والعودة إلى الديار وإنهاء الاحتلال الجاثم فوق أراضي المعتصمين، بالإضافة لتعرية الدولة المزعوم أنها دولة ديموقراطية حقوقية تلتزم بالقوانين الدولية وتقوم على أسس وقيم العدل والمساواة.

وفي هذه الأثناء ومع اقتراب لحظة الصفر يبرز التساؤل الشعبي، هل نحتاج نحن كفلسطينيين لهكذا شكل من أشكال المقاومة في هذه الأثناء وتحت هذه الظروف؟ والجواب هو نعم، وأكثر من أي وقت مضى، ذلك أن الظروف السيئة التي نعيشها في ظلّ الانحدار السياسي والاقتصادي الداخلي، وتدهور حالة الإقليم وانشغاله في تجاذبات داخلية تلهيه عن قضية مركزية كالقضية الفلسطينية، ومحاولة تمرير صفقة حل نهائي وهي تلك المشهورة باسم "صفقة القرن" حيث يراد من خلالها إسقاط حق اللاجئين في العودة وتوطينهم في حدود دولة جديدة في إطار لم تكتمل ملامحه بعد، كل هذه الأسباب تفرض علينا إبطال هذه المخططات وتفويت فرصة استغلال هكذا ظروف لتمرير حل يضمن للاحتلال أمنه واستقراره بالإضافة إلى الهدف العام بإبقاء جذوة الصراع مع الاحتلال حيّة.

لعل الدخول في معركة عسكرية هو ما ينتظره الاحتلال ومن معه لفرض معادلة الحل النهائي بالقوة، وهو ما دفع صناع القرار في قطاع غزة إلى الهروب من المواجهة المباشرة في خطوات تكتيكية ماهرة لم يكن أولها التأكيد على قدرة الترسانة العسكرية الفلسطينية على الصمود لأشهر طويلة ولم يكن آخرها مناورات الجهوزية الدفاعية، هذه الخطوات تؤدي بكل تأكيد إلى نتيجة استراتيجية مهمة تتمثل في الانتصار على الاحتلال في معركة إيجاد المبررات وسحب البساط من تحت أقدام الإدارة الأمريكية قبل أن تتمكن من تهنئة نفسها بإنهاء أزمة "إسرائيل" الممتدة.

بذلك تبرز أهم الآمال المعلقة على نجاح مسيرة العودة الكبرى، وهي الآمال التي يرغب المعتصمون بالوصول إليها بعيدا عن أمنيات اختراق الحدود والعودة إلى الديار التي تأتي كثمرة لتظافر نجاحات كل أشكال المقاومة مجتمعة، فهذه المسيرة هي مسيرة تأكيد على تمسكنا بأهم حق من حقوقنا وهو الحق الذي يمثل الشوكة المنغرسة في خاصرة الاحتلال والشاهد الحقيقي على كوننا أصحاب أرض، وكونهم احتلال جثم على هذه الأرض، وهو حق العودة المقدس، بالإضافة إلى سد الطريق أمام مخططات الإدارة الأمريكية بإنهاء دور وكالة الغوث التي تُعدّ المحافظ على هوية اللاجئين الفلسطينيين والدليل الدامغ على نزوحهم من بلادهم وبالتالي احتفاظهم بحق عودتهم إليها.

مسيرة العودة الكبرى تكتسب مزيدا من الزخم والأهمية كونها مسيرة تحشيد للرأي العام الدولي ولافتة لأنظار العالم الحر إلينا وإلى قضيتنا وإلى حقنا الثابت، كما أنها تهدف لإحراج الاحتلال أمام العالم الغربي وطمس أكذوبة ديموقراطية الدولة العبرية، كما أنها قادرة على وضع حدّ لصفقة الحل النهائي المزعومة، حيث سيعلن من خلالها اللاجئون رفضهم لأي وطن بديل، وأخيرا يمكن لهذه المسيرة أن تتمكن من اختراق الحصار، ذلك أنه ستصل من خلالها رسالة إلى الاحتلال وإلى العالم الغربي أن جزءاً مهماً من مشاكل غزة الاقتصادية مرهون بعودة اللاجئين إلى بلادهم وممتلكاتهم وهو ما سيضع المُحاصِرين تحت ضغط التخفيف عن أهالي القطاع أو احتمال الانفجار البشري المرتقب من الناس المعتصمة على حدود بلادها.

مواضيع ذات صلة