غزة بين الخيار العسكري والحشودات السلمية

مقال عبد الله.jpg

الساعة الثامنة - عبد الله أبو معيلق

القارئ لهذه المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية وخاصة قطاع غزة من صفقة القرن وإرهاصاتها التي بدأنا نراها وما يمر به قطاعنا الحبيب من حصار وتضييق وعقوبات خنقت الناس، يعلم علم اليقين أنه لا بد من تضحيات ودماء للتصدي لهذه المرحلة ورفع ثقلها عن كاهل القضية وحاضنتها الشعبية، وأنه في هذا العالم الظالم لن يعطينا أحد شيئا لسواد عيوننا أو لحديثنا المنمق أو لمفاوضات هزيلة ولا حتى لفلتات لسان هنا أو هناك بالسب والشتم على قاتلينا، وأنه بتنا أكثر ايماننا بقول الشاعر: "وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا"، وهذا ما يتفق عليه كل عاقل ذو بصيرة في شعبنا الواعي المثقف.

 

وبناء على هذه القاعدة فإننا فعليا أمام خيارين -أحلاهما مر- كما يقال، أولهما وهو الخيار القديم المتجدد، خيار المواجهة العسكرية التي ستتصاعد بلا شك إلى حرب قد تطول وقد تقصر، وثانيهما خيار مبتكر جديد هو خيار الحشود الضخمة السلمية على الحدود مع ما يرافقها من مواجهات لا يمكن ضبطها أو منعها أو أنها جزء مقصود من الضغط، كلا الطريقين له ضريبة من دماء أبناء شعبنا وريحانة شبابه وفلذات أكباده، غير أن المواجهة العسكرية تكون ضريبتها أكبر من حيث أعداد الشهداء ونوعية الاصابات وحجم التدمير للبنى التحتية ناهيك عن الخوف والرعب والتهجير وما يرافقها من عذابات.

 

كل هذا جربه شعبنا وهو جاهز لدفعه في أي وقت والتاريخ يشهد، غير أننا بتنا في محيط اقليمي خرج من مرحلة التخاذل إلى مرحلة التآمر، بالإضافة لواقع سياسي صعب يفرض علينا التفكير ألف مرة قبل الاقدام على اتخاذ أي قرار استراتيجي، والسؤال هنا وبناء على ما سبق، ما هي أقل تضحيات ممكن أن يقدمها الشعب الفلسطيني وخصوصا في غزة للخروج بأفضل نتائج على صعيد قضيته الوطنية وحياته الاجتماعية والاقتصادية في ظل هذه المعطيات الاقليمية والسياسية؟!

 

لا بد أن الخيار الثاني هو الأقل تكلفة وهو ما سيؤدي إلى نتائج أفضل من سابقه -في ظل الوضع الحالي- وذلك لعدة أسباب:

أولا: إن هذا الخيار يتحدث عن انصهار لجميع مكونات شعبنا وفصائله واتجاهاته في بوتقة واحدة، وأنه كما شاهدنا في اليوم الأول في مسيرة العودة الكبرى التي جسدت هذا الخيار واقعا على الأرض، فإنه وللمرة الأولى خرج أهل قطاع غزة بكافة فئاتهم العمرية ومستوياتهم الاجتماعية، قيادة الشعب ومواطنيه تحت شعار واحد وعلم واحد، وهذا بحد ذاته مكسب وتطور إيجابي في صالح مسيرة شعبنا الوطنية.

 

ثانيا: إن هذا الخيار أكثر تعبيرا عن حمل الشعب لقضيته العادلة وايمانه بها، ذلك أن المتصدرين له هم عامة الشعب بكل تفاصيلهم وطبقاتهم وفئاتهم، هم أنفسهم الذين يعيشون مرارة الوضع الاقتصادي المتدهور ومعاناته، قد عرفوا اليوم الوجهة الصحيحة لعرض قضيتهم والمطالبة بحقوقهم، وحددوا بدقة مواضع الضغط المثمرة وأنه لا سبيل بعد الآن لحرف بوصلتهم.

 

ثالثا: إن هذه الحشود السلمية بمطالبها العادلة التي يضمنها لها المجتمع الدولي بنصوص قوانينه، وما يقابلها من استخدام مفرط وحشي غير مبرر للقوة بات يحرج الاحتلال أمام المجتمع الدولي ومؤسساته حتى أن الأمر وصل لإعلاميين و كتاب وأعضاء كنيست إسرائيليين قرأنا انتقادهم لهذا الاستخدام المفرط للقوة وطالبوا بإصلاح أوضاع غزة الاقتصادية وحذروا من انفجار هذا الشعب المكبوت تجاه دولتهم، باختصار فإن الصورة مرعبة في نظرهم.

 

أخيرا، فإن الاستنفار الدائم لجيش الاحتلال على حدود القطاع وحالة المتابعة المستمرة وما يرافقها من أرق وقلق وتحذيرات أمنية تدخل الاحتلال في حالة طوارئ منهكة لمؤسساته على المستوى السياسي والعسكري تلهيها بقدر كبير عن قضايا أخرى أكثر أهمية باعتقادها سواء على الحدود الشمالية أو في مخططاتها التهويدية ومساراتها الاستراتيجية كصفقة القرن التي وقع الفلسطينيون اليوم بدمائهم وأصواتهم وحشوداتهم قرار رفضها وإبطالها.

مواضيع ذات صلة