عباس المُعافى والنظام الفلسطيني العليل

الساعة الثامنة

كان لافتا خلال الأسبوع الذي أمضاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مستشفى رام الله، أن الطامحين إلى وراثة الرجل، خاضوا سباقا في ما بينهم، كانوا معنيين جميعا بعدم تسرب تفاصيله. ولعل ما عزز توقعات الفلسطينيين قاطبة بأن معركة الوراثة قد بدأت؛ أن محاولة عباس تطمين مواليه بأنه يمر بمحض عارض صحي بسيط، من خلال بعض الصور وشريط فيديو، خلت تماما من الطامحين إلى الوراثة، وكان هؤلاء قد هرعوا إلى المستشفى بعد يومين من الحديث عن سوء حالته، على أمل عيادته ومجاملته؛ لكنهم انتظروا في البهو، ونقلت إلى المريض أسماؤهم، دون أن يسمح لهم بالدخول إلى حجرته.

وللإنصاف كان عباس أبرع من الطامحين جميعا وأذكى تدبيرا. فهو الراسخ في فنيات اللعب مع الأطراف المشاركة في لعبة الحكم في كل مرحلة. لقد تابع بدقة ما يجري على أرض الملعب، وبناء على ما يعلم، استخدم التكتيك اللازم، فمَنَعَ التفاف الطامحين حول سريره لكي يلتقطوا الصور آحادا أو جَمعا.

وأسدل الرجل ستائر الغموض على حالته الصحية، وربما تعمد رمي معلومات مجتزأة، لتنشيط التكهنات، لكي يختبر ردود الأفعال نُطقا أو صمتا، ويقيس درجات حرارة التصريحات، فيستدل بها على ما وراءها من مشاعر.

فهو ضمنا يختبر كذلك فاعلية الترهيب الذي اعتمده خلال السنوات العشر الأخيرة، ونجح من خلاله في إقناع أي طامح أو موالٍ، أن همسة أو كلمة واحدة، خارج النص، من شأنها تضييعه وإذلاله. لذا كان الموالون وغير الموالين، في أسبوع المستشفى، حذرين ومتحسبين، بل إن الذين امتلكوا شجاعة التجرؤ على هجاء شعبهم نفسه ومُدركات قضيتهم؛ ظلوا خلال الأيام السبعة، عاجزين عن النطق المفيد، وإن نطق واحدهم فلا يقول إلا جملة قصيرة أو جملتين من نوع التطمين على صحة السيد الرئيس، والتأكيد الكاذب على أن مسار الزمن والتاريخ، سينحرف من دونه وسيأخذ الفلسطينيين إلى حتفهم البليغ.

لكن حركة محمومة بدأت بعد مغادرة عباس المستشفى، إذ عـاد اللاعبون المتنافسون على كأس الخلافة، من أرض الملعب إلى حجرة الملابس، للاستراحة قليلا بين الشوطين. فالرجل الزاحف إلى منتصف الثمانينات مرشح قوي لعودة أصعب إلى أي مستشفى.

ومن المفارقات اللافتة، أن الطامحين لخلافة الرجل، وهم الموالون ظاهرياً له وفق ما تتطلبه قواعد اللعبة، أحبطهم خروج الرئيس من المستشفى إلى الدار والمكتب، علما بأن المعارضين أنفسهم، لم يحبطهم شفاؤه، على اعتبار أنهم لا يطلبون الموت لمريض، لكنهم يتمنون إزاحة نهج وتحقيق إصلاح للحال الفلسطينية، لكي ينجو شعـب وقضية وكيان، وشتان بين هؤلاء وأولئك الذين يتمنون انزياح الإنسان نفسه ويتعجلون وراثته، حتى وإن غرقت السفينة.

ليس في مقدور أحد، إنكار وقوع المباراة التي تابعها الشعب اللبيب، دون أن تُنقل على الهواء مباشرة. وسيتوالى خلال الأيام القليلة الماضية، ظهور الحقائق وأصدائها وانعكاساتها على صعيد تراتبية السلطة وحركة فتح. فضلا عن ذلك، فإن أيا من الطامحين الذين حاولوا ذر الرماد في العيون، لم يتنبه وهو يصف عباس باعتباره ضرورة، وضمانة المسار القويم للتاريخ، وضمانة استمرار الحكم الفلسطيني في طريق الرشاد والحنان؛ إلى خطورة المعنى الضمني الذي يمثله هذا النمط من مقاربات التودد للرجل المريض، إن صاحب مثل هذا الوصف المبلغ فيه كثيرا، يشطب نفسه من حيث هو طامح.

فإن كانت السفينة ستغرق لو غاب عباس، والتاريخ سيحسم أمره في الوجهة الخاطئة إن ترك قمرة القيادة، وسيذهب الفلسطينيون حتفهم البليغ؛ فما الذي تبقى لكي يفعله الطامحون عندما يحققون طموحاتهم؟ هل سيتكفلون بكتابة قصة السفينة الغارقة، مثلما فعل الأدباء مع حكاية “تايتنك” وأن يصنعوا لها مُجسمات خزفية للذكرى؟

إن أخطر ما دل عليه الصمت والنطق في الأيام السبعة، هو خلوّ العقول والحناجر من أية عبارة ذات صلة بشروط قيام الكيانات واستمرارها، أو ضمانات الانتقال الطبيعي السلس لمسؤوليات السلطة، وخلو الأذهان من أي كلام عن الآليات الصحيحة لإحراز التوافق أو الرضا الشعبي الذي قامت على أساسه فكرة الكيان السياسي والدولة. كأنما الخيارات العباسية هي التي تقرر على الشعب الفلسطيني كيفية الحكم مستقبلا، بعد أن حددت المُبشرين بالسلطة وانتهى الأمر، ولم يعد هناك مجالا لراغب في نيل التفويض الشعبي خارج مجموعة المبَشرين.

إن هذه تجربة شعورية شديدة الانحراف، أنكرت شروط قيام الكيانات، بعد أن أنكرت مسبقاً، شروط قيام واستمرار حركات التحرر، وشروط وعقيدة عمل المؤسسة الأمنية، وأطاحت الثقافة الوطنية التي تُحرّم النعرات المناطقية وتراها من الأخطار الوجودية على أي حركة للنضال الوطني. والأدهى أن أصحاب هذه التجربة الشعورية يصرّون على إنكار وجود وتأثير كتل ومجاميع بشرية، وحركات وازنة، ومقاومين مسلحين، وشبان شجعان غاضبين في الضفة والقدس، ومؤسسات مجتمع مدني، ولا يحسبون حساباً إلا للخواجة اليهودي غرباً، وكيف يتم التوصل معه إلى صيغة التراضي.

أيام المستشفى السبعة، علمت عباس الكثير. والرجل بطبيعته نبيه في ساحات الكيد، على الرغم من عدم نباهته حيال البعد الاجتماعي للسياسات في الداخل، وحيال مآلات الأخيرة التغالظ مع الناس وإيذائهم واحتقار القانون والمؤسسات والتفرد وعدم إيلاء أي أهمية للرأي العام في بلاده!

مواضيع ذات صلة